Posted On: February 1st 2026, 09:19 pm
كان أبي يحبّ الحياة
كما يُحبّ الشِّعر:
لا ليهرب منها،
بل ليحتملها.
وكان له بيتٌ من تأليفه،
ضحكتُ عليه يومًا،
ثم اكتشفتُ متأخرة
أنني كنت أضحك
على مرآته:
«جبار خيّون دزّوله ورقة،
فيها العتب هواي، قلبه شيصبره!»
كان يقولها
وكأنّه يعتذر عن قلبه،
قلبٌ يتلقى العتب
ولا يعرف كيف
يضعه جانبًا.
مات أبي بسكتةٍ قلبية…
لا لأن القلب ضعيف،
بل لأن قلبه
أرهقته القوّة.
مات
وقد عاش عمره
يمدّ صدره للعالم
ليتّسع لأوجاعٍ
ليست له.
كان صبيًّا
يفترش بسطة المباركية،
يتيماً يتعلّم كيف يقف
قبل أن يتعلّم كيف يتكئ على كتف أحدهم.
يدرس،
ويصرف على إخوته
حتى زوّجهم،
ثم يمضي
ليبدأ دورًا آخر
من التعب.
كبر…
ولم يكبر معه
حقّه في الراحة.
جعل من تجارته
بابًا للفقراء،
ومن رزقه
طريقًا إلى الله.
كان يعتقد
أن المال إذا لم يعبر
من يده إلى يدٍ أضعف
يفقد معناه.
صار جدًّا
يحمل همّ الصغير
والكبير،
القريب
والغريب،
كأن قلبه
مخزنٌ للأحزان العامة،
يضع فيه وجع البشرية
ويعود إلى بيته
خفيف الكلام،
ثقيل القلب.
لم يحتمل
خبر الحرب،
ولا صورة طفلٍ جائع،
كان يبكي
وكأن الدموع
لغته الوحيدة
ليفهم بها هذا العالم وقساوته.
وقبل أن يرحل
قال لي:
«كلّ خيرٍ أفعله
يُدفع عنكم سوء،
ويتضاعف،
وصِلة الرحم يا أنمار…
صِيلهم،
يرحمونك
حين تضعفين».
كأنّه كان يمد يده
ليربّت على العالم
لآخر مرة،
ويُسلّم أمانته.
قلبك يا عبدالجبار
كان جبرًا للجميع،
لكنّه
انكسر في داخلي
مرّتين:
مرّةً حين تعب،
ومرّةً حين رحل.
وأنا…
أسأل نفسي بسوء نيّة الفقد:
ماذا لو لم تحمل
كل هذا الثقل؟
هل كان الطبيب سيقول
إنك عشت بمعجزة
حتى هذه اللحظة؟
هل كنت ستمنح
جود
وقتًا أطول
لتعرف شكل يدك ولتنعم بحبك أكثر
بدلاً أن أكون ذاكرتها عنك؟
لكنّك اخترت الرحيل
كما عشت:
صامتًا،
مكتفيًا، تاركاً أثراً أكبر من رحيلك.
كأنك تقول
إن للصبر
حدًّا
حين يكون القلب
هو من يدفع الثمن.
كنت تقول لي:
«أنا متعوب»،
ولم أفهم
أن التعب
كان اسمًا آخر لك
لأنك
كنت تحمل أكثر
مما يحتمله جسد.
ومأساتي الكبرى ، لم أعرف حجم غيابك
إلا حين
وقّعت الحياة
شهادة خسارتك "وفاتك".
Load More