Instagram story viewer> @abdelkader_affak> Post
7 months ago
يُتحدَّث عن عالم السينما غالبًا باعتباره فضاءً للهيبة واللمعان. الأضواء الكاشفة، العروض الأولى، الجوائز، والوجوه المعروفة. هذه الواجهة البراقة تملأ المشهد كله؛ تُطمئن، وتُغري بالحلم، وتمنح الانطباع بأن الشغف وحده يكفي لتجاوز كل الصعوبات. لكن خلف الصورة، توجد حقيقة أكثر قسوة، وأكثر صمتًا، تكاد تكون غير مرئية.
هناك التقني الذي يتنقّل من تصوير إلى آخر دون أن يحصل على عقد مستقر، ينتظر اتصالًا جديدًا بقلق دائم حول العمل المقبل. وهناك الممثل الثانوي الذي يُنهي دوره ثم ينتظر شهورًا طويلة قبل أن يتقاضى أجره، إن تقاضاه أصلًا. وهناك الكومبارس الذي يمنح يومًا كاملًا من وقته مقابل أجر زهيد، وإذا مرض أو تعرّض لحادث يجد نفسه بلا أي حماية. هؤلاء ليسوا على هامش السينما؛ إنهم مادتها الحيّة. هم من يبنون الديكورات، وينقلون المعدات، ويضبطون الإضاءة في ساعات الفجر الأولى، ويحفظون مشاهد قد تُحذف لاحقًا في المونتاج. من دون حضورهم الجسدي، لا تولد أي صورة، ولا يُسجَّل أي صوت، ولا يرى أي فيلم النور.
ومع ذلك، غالبًا ما يُنظر إلى هشاشتهم المهنية وكأنها أمر طبيعي. يُقدَّم عدم الاستقرار الوظيفي كخاصية ملازمة للمجال، بل كأنه شرط من شروط الإبداع. كأن العيش بلا أمان مهني، وبلا استمرارية، وبلا ضمانات اجتماعية، هو تقليد مهني لا خلل بنيوي. هذه النظرة تُحوِّل الهشاشة الدائمة إلى أمر عادي، وتجعل وضعًا مفروضًا يبدو وكأنه طبيعة المهنة.
لكن لا شيء يفرض على القطاع أن يعمل بهذه الطريقة. فهذه الوضعية ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة تنظيمات وممارسات تقبل — وأحيانًا تشجّع — تشتت العاملين وعزلتهم. حين ينشغل كل فرد بالبحث وحده عن فرصة العمل التالية، يصبح من الصعب المطالبة جماعيًا بحقوق أكثر استقرارًا. الهشاشة تُفرّق، وهذا التفرّق يُضعف القدرة على التفاوض.
إن إنشاء قطب يُعنى بالحماية الاجتماعية للعاملين في السينما يعني الإقرار بإمكانية تحقيق توازن مختلف. لا يتعلق الأمر بامتياز لفئة دون أخرى، بل بوضع قاعدة أساسية تضمن مسارات مهنية أكثر استقرارًا، وآجال دفع واضحة، وتغطية اجتماعية ملائمة، وظروف عمل تحفظ الكرامة. إن الاعتراف بالمهن الخفية لا ينبغي أن يقتصر على كلمات الشكر في المناسبات؛ بل يجب أن يترجم إلى حماية فعلية وملموسة.
تحب السينما أن تصف نفسها كعائلة توحّدها روح الإبداع. لكن العائلة الحقيقية لا تترك أفرادها بلا سند أو أمان. إن حماية من يجعلون الأعمال الفنية ممكنة ليست مسألة كرم، بل هي مسألة عدل وانسجام تفرض نفسها على القطاع بأكمله.
0
Posted On: March 23rd 2026, 12:37 pm
يُتحدَّث عن عالم السينما غالبًا باعتباره فضاءً للهيبة واللمعان. الأضواء الكاشفة، العروض الأولى، الجوائز، والوجوه المعروفة. هذه الواجهة البراقة تملأ المشهد كله؛ تُطمئن، وتُغري بالحلم، وتمنح الانطباع بأن الشغف وحده يكفي لتجاوز كل الصعوبات. لكن خلف الصورة، توجد حقيقة أكثر قسوة، وأكثر صمتًا، تكاد تكون غير مرئية.
هناك التقني الذي يتنقّل من تصوير إلى آخر دون أن يحصل على عقد مستقر، ينتظر اتصالًا جديدًا بقلق دائم حول العمل المقبل. وهناك الممثل الثانوي الذي يُنهي دوره ثم ينتظر شهورًا طويلة قبل أن يتقاضى أجره، إن تقاضاه أصلًا. وهناك الكومبارس الذي يمنح يومًا كاملًا من وقته مقابل أجر زهيد، وإذا مرض أو تعرّض لحادث يجد نفسه بلا أي حماية. هؤلاء ليسوا على هامش السينما؛ إنهم مادتها الحيّة. هم من يبنون الديكورات، وينقلون المعدات، ويضبطون الإضاءة في ساعات الفجر الأولى، ويحفظون مشاهد قد تُحذف لاحقًا في المونتاج. من دون حضورهم الجسدي، لا تولد أي صورة، ولا يُسجَّل أي صوت، ولا يرى أي فيلم النور.
ومع ذلك، غالبًا ما يُنظر إلى هشاشتهم المهنية وكأنها أمر طبيعي. يُقدَّم عدم الاستقرار الوظيفي كخاصية ملازمة للمجال، بل كأنه شرط من شروط الإبداع. كأن العيش بلا أمان مهني، وبلا استمرارية، وبلا ضمانات اجتماعية، هو تقليد مهني لا خلل بنيوي. هذه النظرة تُحوِّل الهشاشة الدائمة إلى أمر عادي، وتجعل وضعًا مفروضًا يبدو وكأنه طبيعة المهنة.
لكن لا شيء يفرض على القطاع أن يعمل بهذه الطريقة. فهذه الوضعية ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة تنظيمات وممارسات تقبل — وأحيانًا تشجّع — تشتت العاملين وعزلتهم. حين ينشغل كل فرد بالبحث وحده عن فرصة العمل التالية، يصبح من الصعب المطالبة جماعيًا بحقوق أكثر استقرارًا. الهشاشة تُفرّق، وهذا التفرّق يُضعف القدرة على التفاوض.
إن إنشاء قطب يُعنى بالحماية الاجتماعية للعاملين في السينما يعني الإقرار بإمكانية تحقيق توازن مختلف. لا يتعلق الأمر بامتياز لفئة دون أخرى، بل بوضع قاعدة أساسية تضمن مسارات مهنية أكثر استقرارًا، وآجال دفع واضحة، وتغطية اجتماعية ملائمة، وظروف عمل تحفظ الكرامة. إن الاعتراف بالمهن الخفية لا ينبغي أن يقتصر على كلمات الشكر في المناسبات؛ بل يجب أن يترجم إلى حماية فعلية وملموسة.
تحب السينما أن تصف نفسها كعائلة توحّدها روح الإبداع. لكن العائلة الحقيقية لا تترك أفرادها بلا سند أو أمان. إن حماية من يجعلون الأعمال الفنية ممكنة ليست مسألة كرم، بل هي مسألة عدل وانسجام تفرض نفسها على القطاع بأكمله.

More posts

back to up