Posted On: September 9th 2026, 01:43 am
# جُوع
«لم تكن أمي تأكل. كانت تقول إنها شبعت، لكنّ عينيها كانتا تأكلان من طبقنا.»
كنتُ في السابعة حين بدأتُ أكره يديها. يداها الخشنتان، المتشققتان، اللتان تمسحان بها فمي بعد كل لقمة. كنتُ أصرخ: «لا تلمسيني!» فتبتسم، وتسحب يدها كأنها اعتذرت عن وجودها.
كانت تضع أمامي رغيفًا كاملًا، وتجلس قبالة الطاولة بكسرة يابسة تغمسها في ماء مالح. أسألها: لماذا لا تأكلين مثلِي؟ فتقول وهي تمضغ ببطءٍ مفتعَل: «أنا أحبّ القشرة يا حبيبي. القشرة أطيب.»
صدّقتها. عشرين سنةً صدّقتها.
كبرتُ، وسافرتُ، وصرتُ أجلس في مطاعم تُرمى فيها أنصاف الأرغفة في سلال القمامة. لم أتصل بها إلا في الأعياد. كانت تقول: «كلْ جيدًا يا بنيّ»، فأقول: «حاضر يا أمي»، ولا أسمع صوتها الحقيقي تحت الكلمات.
في الشتاء الماضي، رنّ هاتفي. رقم غريب. صوت جارنا الحاج سعيد: «تعال. أمّك تعبت.»
ركبتُ أول طائرة. وصلتُ فجرًا. كانت الغرفة باردة، والسرير مرتّبًا، وعلى المخدة ورقة مطويّة.
فتحتها.
خطٌّ مرتجف، بحبرٍ أزرق باهت:
«ابني الحبيب،
اليوم أكلتُ كسرةً يابسة، وشربتُ ماءً، وشبعتُ. لا لأن القشرة طيبة، بل لأنك شبعت. هذا يكفيني. لا تحزن عليّ. أنا لم أجع يومًا. أنت كنتَ لقمتي.»
طويتُ الورقة. وضعتها في جيبي قرب قلبي.
ثم جلستُ على طرف السرير البارد، ومددتُ يدي إلى المخدة، كأنني أبحث عن يدها الخشنة المتشققة لأقول لها أخيرًا: «لا تلمسيني»... لكن هذه المرة لأقبّلها.
لم أجدها.
#explore #اكسبلور #تصاميم #اكسبلور_فولو