لفترة طويلة…
كنت أعتقد أن الحدود النفسية تعني أن أتعلم كيف أقول “لا”.
لكن أثناء البحث، اكتشفت أنني كنت أطرح السؤال الخطأ.
لم يكن السؤال: كيف أقول لا؟
بل: لماذا يصعب عليّ قولها أصلًا؟
ولماذا يشعر بعض الناس بالذنب عندما يرفضون طلبًا، بينما يستطيع آخرون فعل ذلك دون أن يشعروا أنهم أشخاص سيئون؟
واكتشفت أن الحدود النفسية لا تبدأ في أول علاقة عاطفية أو أول وظيفة…بل تبدأ منذ الطفولة.
فالطفل لا يولد وهو يعرف حدوده، بل يتعلمها من خلال الأشخاص الذين يربونه.
فعندما يُسمح له أن يعبّر عن رأيه، وأن تُحترم مشاعره وحدوده، يتعلم أن له مساحة تستحق الاحترام.
أما إذا تربى على رسائل مثل:
“لا ترد.”
“لا تزعل أحد.”
“إذا قلت لا فأنت قليل أدب.”
فقد يكبر وهو يشعر، دون وعي، أن وضع الحدود قد يكلّفه فقدان الحب أو القبول.
وأثناء القراءة، وجدت أن هذا ينسجم مع نظرية التعلق لـ جون بولبي، الذي يرى أن علاقتنا بوالدينا تصبح النموذج الذي نبني عليه علاقاتنا لاحقًا.
فالطفل الذي يشعر أن الحب مشروط بالطاعة أو بإرضاء الآخرين، قد يكبر وهو يخاف من أي موقف قد يؤدي إلى رفضه.
ولهذا، لا تصبح كلمة “لا” مجرد كلمة…
بل تهديدًا لعلاقة يخشى خسارتها.
ثم قرأت كتاب Boundaries لـ هنري كلاود وجون تاونسند.
وكانت أكثر فكرة أوقفتني أن الحدود لا تخبر الآخرين فقط بما هو مقبول…
بل تخبرك أنت أيضًا:
عن ماذا أنت مسؤول… وعن ماذا لست مسؤولًا.
فنحن كثيرًا ما نستنزف أنفسنا،لأننا نحاول إصلاح الجميع ،إرضاء الجميع ،وحمل مشاعر الجميع.
بينما الحدود الصحية تذكّرنا أن التعاطف لا يعني أن تتحمل ما ليس من مسؤوليتك..
لكن رغم كل هذا، بقي سؤال يشغلني:
إذا كنت أعرف أن غياب الحدود يؤذيني… فلماذا أستمر؟
وهنا وجدت أن موراي بوين ينظر للمشكلة من زاوية مختلفة.
فهو لا يرى أن ضعف الحدود هو المشكلة الأساسية، بل نتيجة لشيء أعمق سماه تمايز الذات؛ أي أن تحافظ على قيمك وقراراتك حتى وأنت قريب من الأشخاص الذين تحبهم، وأن تختلف معهم دون أن تفقد إحساسك بنفسك.
وهنا ربطت كل ذلك بمنشوري السابق عن الهوية.
وأدركت أن الحدود ليست مجرد مهارة نتعلمها…بل انعكاس للطريقة التي نرى بها أنفسنا.فكلما كانت هويتك أوضح، أصبح من الأسهل أن تعرف ما الذي يناسبك، ومتى تقول نعم، ومتى تقول لا.
أما عندما تكون هويتك غير واضحة، فقد يصبح رضا الآخرين هو ما يحدد قراراتك.
وعندها، لا تصبح مشكلة الحدود في كلمة “لا”…بل في أنك لا تعرف أي جزء من نفسك تحاول حمايته أصلًا.
#الحدود #علم_نفس